الخميس، 30 يناير 2014

دولة المماليك


المماليك هم سلالة من الجنود حكمت مصر وأجزاء من شبه الجزيرة والشام والعراق أكثر من قرنين ونصف القرن وبالتحديد من 1250 م إلى 1517م , ومنذ العام 1450 م, وفى سنة 1517 م تمكن السلطان العثماني سليم الأول من القضاء على دولتهم.
وقد أسسوا دولتين متعاقبتين كانت عاصمتهما هي القاهرة ,الأولى دولة المماليك البحرية: ومن أبرز سلاطينها عز الدين أيبك وقطز والظاهر بيبرس والأشرف صلاح الدين خليل. ثم تلتها مباشرة دولة المماليك البرجية بانقلاب عسكري قام به السلطان الشركسي برقوق , وكان من أبرز سلاطينهم برقوق وابنه فرج والأشرف سيف الدين برسباى وقنصوه الغورى وطومان باى.
كان هؤلاء المماليك عبيدا استقدمهم الأيوبيون، زاد نفوذهم حتى تمكنوا من الاستيلاء على السلطة سنة 1250م. كان خطة هؤلاء القادة تقوم على استقدام المماليك من بلدان غير إسلامية، وكانوا في الأغلب أطفالاً يتم تربيتهم وفق قواعد صارمة في ثكنات عسكرية معزولة عن العالم الخارجي، حتى يتم ضمان ولاؤهم التام للحاكم. بفضل هذا النظام تمتعت دولة المماليك بنوع من الاستقرار النادرا آنذاك
كلمة المماليك تشير إلى العبيد البيض الذين كانوا فرسانا وجنودا محاربين يؤسرون في الحروب أو أطفالا صغارا يخطفون في غارات لصوصية أو كسبايا في حروب يتم عرضهم على مندوبي الدول والحكومات في أماكن خاصة حيث يتم إفتداؤهم بمبالغ مالية تدفع للمسؤلين عنهم ، ويتم جلبهم لتعليمهم وتدريبهم في مدارس عسكرية خاصة ليتخرجوا منها قادة وفرسانا وجنودا مؤهلين يرفدون الجيش ويمدوه بدماء وخبرات وقدرات جديدة تزيد في قوة الجيش ومنعة الدولة، وقد استولوا على الحكم في مصر في نهاية حكم الدولة الأيوبية بمصر لضعف وعدم أهلية ملوكها وسلاطينها.  و كان الحاكم يتخذ منهم قوة تسانده، ودعم الأمن والاستقرار في إمارته أو مملكته. ويربّون على الطاعة والإخلاص والولاء.
المماليك رجال معتادين علي خوض الحروب وحمل السيف والرمح، ومعظمهم التحق بذلك النظام العسكري الصارم كوسيلة من وسائل طلب الرزق تماما كالسعي للوظائف العسكرية أو المدنية في العصر الحاضر والتي تستهلك معظم أو كل عمر الإنسان في خدمة مهام وظيفته ومسؤوليه وموظفيه ، مقابل تقاضيه أجوره ورواتبه الشهرية . ولكن في ظل الدولة الأيوبية عامة وفي عهد السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب خاصة تغير ذلك النظام وأصبح ذو طابع خاص عندما أصبحت السلطة في يد الأيوبيين أخدوا يشترون المماليك بكميات عظيمة وذلك لخوض حروبهم مع الصليبيين تارة ومع أنفسهم تارة أخرى ؛ وذلك لعدم رغبة الأيوبيون في محاربة المسلمين بعضهم البعض فكانوا يشترون المماليك لذلك الهدف في بادئ الأمر. ولكن عندما تسلطن السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب أخذ في شراء الغلمان الصغار وذلك ليدربهم علي امتشاق الحسام والرمح وليجعل في نفوسهم الطاعة له فكان لهم بمثابة الأب وبنى لهم معسكرات في جزيرة الروضة فى القاهرة وأسكنهم اياها فأصبح له ولائهم وحبهم وإخلاصهم.
كان الصالح أيوب ومن تبعه من الأمراء- لا يتعاملون مع المماليك كرقيق.. بل على العكس من ذلك تماماً.. فقد كانوا يقربونهم جداً منهم لدرجة تكاد تقترب من درجة أبنائهم.. ولم تكن الرابطة التي تربط بين المالك والمملوك هي رابطة السيد والعبد أبداً، بل رابطة المعلم والتلميذ، أو رابطة الأب والابن، أو رابطة كبير العائلة وأبناء عائلته.. وهذه كلها روابط تعتمد على الحب في الأساس، لا على القهر أو المادة.. حتى إنهم كانوا يطلقون على السيد الذي يفتديهم لقب "الأستاذ" وليس لقب "السيد".
وفي كل مراحل تربية المملوك كان السيد الذي افتداهم يتابع كل هذه الخطوات بدقة، بل أحياناً كان السلطان الصالح أيوب - - يطمئن بنفسه على طعامهم وشرابهم وراحتهم، وكان كثيراً ما يجلس للأكل معهم، ويكثر من التبسط إليهم، وكان المماليك يحبونه حباً كبيراً حقيقياً، ويدينون له بالولاء التام..
وكان المملوك إذا أظهر نبوغاً عسكرياً ودينياً فإنه يترقى في المناصب من رتبة إلى رتبة، فيصبح هو قائداً لغيره من المماليك، ثم إذا نبغ أكثر أعطي بعض الإقطاعات في الدولة فيمتلكها، فتدر عليه أرباحاً وفيرة، وقد يُعطى إقطاعات كبيرة، بل قد يصل إلى درجة أمير، وهم أمراء الأقاليم المختلفة، وأمراء الفرق في الجيش وهكذا....
دولة المماليك الأولى - والمعروفة باسم دولة المماليك البحرية حكمت حوالي 144 سنة، وفي خلال هذه الفترة حكم 29 سلطانًا وذلك يعني أن متوسط حكم السلطان لم يكن يتعدى خمس سنوات.. وإن كان بعضهم قد حكم فترات طويلة، فإن الكثير منهم قد حكم عاماً أو عامين فقط! و كانت القوة والسلاح غالبا هي وسيلة التغيير الرئيسية للسلاطين في دولة المماليك البحرية هذه، حيث سارت البلاد على القاعدة التي وضعها أحد سلاطين الدولة الأيوبية (الذين سبقوا المماليك مباشرة) وهو السلطان "العادل الأيوبي، والتي تقول: "الحكم لمن غلب".
تأسيس الدولة المملوكية عند وفاة الملك الصالح أيوب في المنصورة، وكانت الحرب قائمة ضد الفرنج الصليبيون ويقودهم لويس التاسع ملك فرنسا عند غزوهم دمياط وكانوا متجهين إلى القاهرة، فجلب المماليك إبنه توران شاه من حصن كيفا كي يقود الحرب ويستلم الحكم وأسر لويس التاسع سنة 1250م ، وبعد انتهاء معركة المنصورة أساء السلطان الجديد التصرف مع المماليك فاغتالوه عند فارسكور
بعد ذلك تولت شجرة الدر أرملة الصالح أيوب عرش مصر بمساندة وتأييد المماليك البحرية وبذلك فقد الأيوبيون سيطرتهم على مصر, ولم يرض كلا من الأيوبيين في الشام في دمشق والخليفة العباسى المستعصم بالله فى بغداد بانتزاع عرش الأيوبيين في مصر وتنصيب شجر الدر ورفضا الاعتراف بسلطانها فقام الأمراء الأيوبيون بتسليم الكرك للملك المغيث عمر ودمشق للملك الناصر صلاح الدين يوسف الذي قبض على عدة من أمراء مصر في دمشق فرد المماليك بتجديد حلفهم لشجرة الدر ونصبوا عز الدين أيبك أتابكا وقبضوا على الأمراء الميالون للناصر يوسف في القاهرة وبعث المستعصم إلى الأمراء في مصر كتابا يقول: "ان كانت الرجال قد عدمت عندكم, فأعلمونا حتى نسير إليكم رجالا.
عدم اعتراف كلا من الخليفة العباسى وكذلك الأيوبيين في دمشق بسلطنة شجر الدر قد أربك المماليك في مصر وأقلقهم فراحوا يفكرون في وسائل توفيقية ترضى الأيوبيين والخليفة العباسي وتمنحهم شرعية لحكم البلاد فقرر المماليك تزويج شجر الدر من أيبك ثم تتنازل له عن العرش فيرضى الخليفة العباسي بجلوس رجل على تخت السلطنة ثم البحث عن رمز أيوبي يشارك أيبك الحكم اسميا فيهدأ خاطر الأيوبيين ويرضوا عن الوضع الجديد , فقام المماليك باحضار طفلا أيوبيا في العاشرة من عمره  وسلطنوه باسم "الملك الأشرف مظفر الدين موسى وأعلن أيبك أنه ليس سوى نائبا للخليفة العباسي وأن مصر لا تزال تابعا للخلافة العباسية كما كانت من قبل.
فى الدولة المملوكية كان السلطان يعتمد في ذلك الأمر على قوة مماليكه وولائهم له وقدرتهم على كبح جماح مماليك الأمراء الآخرين. لذلك تاريخ الدولة المملوكية كان ممتلئ بسلاطين نصبوا نفسهم بعدما تمكنوا من السلطة الفعلية وجعلوا السلطان مجرد لعبة في أيديهم إلي أن يقدروا أن يخلعوه، إما بنفيه أو بقتله لو لم يسالم ويتنحي، ويتولي أميرهم بدلا منه. مثلما حدث للسلطان السعيد بركة ابن الظاهر بيبرس الذي عزله السلطان قلاوون وولي بدلا منه أخيه الأصغر العادل بدر الدين سلامش، إلي أن تمكن هو وممالكيه وعزلوه، وتربع قلاوون على العرش. ومثلما حدث لإبنه السلطان الناصر محمد من كتبغا وبيبرس الجاشنكير.  لم تكن السلطنة في العصر المملوكي بالتوريث. ومن المؤكد وجود أبناء للسلاطين يورثوا الحكم كالسلطان السعيد بركة وسًلامش أنجال الظاهر بيبرس، ومن بعده أولاد وأحفاد السلطان قلاوون، ولكن العادة كانت تحتم أن يجلس أولاد السلاطين إلي أن تهدأ الأمور، وبعد ذلك ينخلعوا ويجلس بدلا منهم أمير قوى، الذي قد كان نائب السلطان والحاكم الحقيقى. الجلوس علي عرش السلطنة لم يكن بالتوريث ولا بالتفويض الشعبي بل كان بالتنافس علي القوة وكثرة المماليك والسلاح والإقطاعيات، لكن كان عادة بتفويض الأمراء الذين كانوا يجتمعون ويتفقون على تنصيب السلطان، وبطبيعة الحال الأمير الذين كانوا يختاروه كان اقواهم وله اتباع أكثر، أو اضعفهم فيجلسوه على العرش وينظموا بمفردهم شئون البلاد.
بعد سقوط الخلافة العباسية في بغداد لم يعد في العالم الإسلامى تجمع دولة إلا أن دولة المماليك والتى حكمت مصر والشام والحجاز أصبحت أقوى دولة في ذلك الوقت، بالإضافة إلى أنهم أعادوا الخلافة العباسية في مصر شكليًا ليضفوا الشرعية على حكمهم، وذلك عندما قام الظاهر بيبرس باستدعاء أحد أبناء العباسيين سنة (659هـ) وعقد مجلسًا حافلا أثبت فيه نسبه وأعلنه خليفة، ولكن بلا خلافة حقيقية، فلم يكن له ولا لمن جاء بعده أى دور يذكر.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق